في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، يواجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي معادلة شديدة التعقيد:

كيف يوازن بين:

- السيطرة على التضخم

- الحفاظ على الاستقرار المالي

- ضمان استمرارية تمويل الدين الحكومي

لم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد ملف أمني أو عسكري؛ بل أصبح متغيرًا ماليًا من الدرجة الأولى، لأن أثره ينتقل سريعًا من الجغرافيا السياسية إلى النفط، ومن النفط إلى التضخم، ثم إلى عوائد السندات، وفي النهاية إلى كل أصل مالي تقريبًا. خلال الأيام الماضية، ارتفعت أسعار النفط بقوة مع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، بينما أقرّت مسؤولة في الاحتياطي الفيدرالي بأن ميزان المخاطر أصبح يميل أكثر نحو التضخم بسبب الحرب، وهو ما أعاد تسعير توقعات الفائدة ودفع الأسواق إلى تقليص رهانات الخفض بشكل حاد.

المشكلة هنا أن الفيدرالي يواجه معضلة مركبة: فإذا شدد لهجته أكثر لمواجهة صدمة التضخم القادمة من الطاقة، فإنه يخاطر بتشديد الأوضاع المالية في لحظة حساسة ترتفع فيها تكلفة التمويل وتتراجع فيها شهية المخاطرة. وإذا أبدى مرونة مبكرة، فقد يرسل إشارة سلبية بأن البنك المركزي مستعد للتعايش مع تضخم أعلى، خصوصًا بعد أن قفز النفط من مستويات تقارب 75 دولارًا في أواخر فبراير إلى ما فوق 100 دولار في مارس، مع تحذيرات أوسع من آثار اقتصادية عالمية إذا طال أمد الأزمة.

لكن الأخطر من التضخم نفسه قد يكون ما يحدث داخل سوق الخزانة الأمريكية، وهو السوق الذي يُفترض أنه الأعمق والأكثر سيولة في العالم. تقارير حديثة أشارت إلى تدهور ملموس في سيولة السندات الأمريكية، وارتفاع في التقلبات، واتساع فروق الأسعار، مع مؤشرات على بيع ضاغط من بعض الجهات الرسمية الأجنبية. هذا مهم جدًا، لأن أي اضطراب مستمر في سوق الخزانة لا يبقى داخل سوق السندات؛ بل ينتقل فورًا إلى تكلفة التمويل، وتسعير الرهن العقاري، والائتمان، وشهية المستثمرين تجاه الأصول الخطرة. بالفعل، ارتفعت عوائد السندات ومعها معدلات الرهن العقاري إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر.

من هنا، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس خفضًا مباشرًا وسريعًا للفائدة، بل تيسيرًا مقنّعًا وموجّهًا للسيولة. الفيدرالي يملك بالفعل أدوات تسمح له بدعم التمويل واستقرار السوق دون أن يعلن تحولًا صريحًا نحو سياسة نقدية أكثر ليونة. من هذه الأدوات عمليات الريبو الدائمة، التي يوضح الاحتياطي الفيدرالي أنها وُجدت أصلًا لتزويد الأطراف المؤهلة بالسيولة، والحد من الضغوط الصعودية في أسواق التمويل قصيرة الأجل، ودعم حسن عمل السوق. كذلك، أنشأ الفيدرالي مرفق FIMA Repo لتوفير الدولار لحائزي الخزانة الرسميين الأجانب بدلًا من دفعهم إلى البيع المباشر في السوق المفتوحة.

إلى جانب ذلك، فإن النقاش التنظيمي حول نسبة الرافعة المالية التكميلية (SLR / eSLR) ليس تفصيلًا تقنيًا هامشيًا، بل جزء من الصورة الكبرى. ففي 2025 دافع مسؤولو الفيدرالي عن تعديل المعايرة لأن القيود الحالية قد تصبح مُلزِمة بشكل يثبط البنوك الكبرى عن لعب دورها في الوساطة داخل سوق الخزانة، خصوصًا تحت الضغط. بعبارة أوضح: إذا اتسع الضغط على سوق السندات، فقد يميل صانع السياسة إلى تخفيف بعض القيود التنظيمية أو إعادة ضبطها حتى تستطيع البنوك استيعاب مزيد من السندات وتوفير سيولة أكبر للسوق، من دون الحاجة إلى إعلان خفض للفائدة. هذا ليس “تيسيرًا نقديًا” بالمعنى الكلاسيكي، لكنه أيضًا ليس حيادًا كاملًا.

هل يمكن وصف ذلك بـ“القمع المالي”؟ هنا يجب الدقة. التعريف الكلاسيكي للقمع المالي، بحسب أدبيات صندوق النقد، يرتبط بإبقاء العائدات الحقيقية دون مستويات السوق أو سالبة، واستخدام القيود والتنظيمات لخلق طلب شبه إجباري على الدين الحكومي، بما يخفف عبء الدين على الدولة على حساب المدخرين وحملة السندات. لذلك، ما نراه الآن ليس قمعًا ماليًا مكتمل الأركان بالمعنى التاريخي، لكنه قد يتحول إلى نسخة حديثة مخففة إذا تزامنت ثلاثة أمور: تضخم أعلى من المستهدف، وعوائد حقيقية أقل من المطلوب، وتدخلات تنظيمية أو سيولية هدفها حماية تمويل الخزانة واستقرار السوق أكثر من حماية آلية التسعير الحرة.

أما بالنسبة للأسواق، فالمعادلة تصبح واضحة: عندما تتحول الجغرافيا السياسية إلى صدمة طاقة، وتتحول صدمة الطاقة إلى ضغط تضخمي، ثم يتحول الضغط التضخمي إلى خلل في سيولة السندات، فإن التحليل الأساسي التقليدي يفقد جزءًا من وزنه مؤقتًا، وتصبح السيولة هي العامل الحاكم. في هذه البيئة، لا تتحرك العملات المشفرة والأسهم عالية المخاطر فقط وفق أرباحها أو رواياتها الاستثمارية، بل وفق سؤال واحد أكثر قسوة: هل النظام المالي يتلقى سيولة كافية تمنع الانكماش القسري، أم أن التشدد المالي سيستمر؟ ولهذا رأت مؤسسات مثل Morgan Stanley تفضيل السندات الأمريكية والسيولة النقدية كملاذات دفاعية مع تصاعد النزاع.

الخلاصة:

أن السوق لا يراقب الحرب فقط، بل يراقب كيفية إجبار الحرب للفيدرالي على إعادة ترتيب أولوياته. فإذا استمر الضغط على النفط، وارتفعت توقعات التضخم، وبقيت سيولة الخزانة هشة، فالأرجح أن نشهد دعمًا غير مباشر للتمويل والسوق قبل أن نشهد خفضًا مباشرًا للفائدة. هذا النوع من التدخل لا يظهر دائمًا في بيان سياسي صاخب، لكنه يظهر في تفاصيل الريبو، والتنظيم المصرفي، وسلوك العوائد، واتساع الهوامش. وهنا تحديدًا يبدأ التحول الحقيقي في دورة السوق.

#AsiaStocksPlunge #OilRisesAbove$116 #USNoKingsProtests #Cryptomaxx

XAU
XAUUSDT
4,561.46
+1.53%