١
حين هدأ الغبار أخيراً، واستقرت الحجارة في أماكنها الجديدة، بدا المشهد كأنه نهاية شيء كبير. الجدار الذي كان يقف صلباً لم يعد موجوداً. الركام ملأ المكان، والصمت حلّ محل الضجيج الذي رافق السقوط.لكن ما ظهر بعد ذلك لم يكن مجرد بقايا.
بين الحجارة التي سقطت ظهرت مسافات لم تكن موجودة من قبل. فراغات صغيرة تشق طريقها بين القطع المتناثرة. لم تكن هذه المساحات جزءاً من الجدار حين كان قائماً، لأن التماسك الكامل لا يترك مكاناً لشيء آخر.
الجدار القوي لا يسمح بالفراغ.لكن الحياة لا تبدأ إلا فيه.ولهذا فإن أول ما يولد بعد الانهيار ليس بناءً جديداً، بل مساحة تسمح بإمكانية البناء.
٢
الذين يقفون أمام الخراب يرون فقط ما فقدوه.يرون الحجارة التي انكسرت، والزوايا التي اختفت، والهيبة التي سقطت مع الجدار. يرون النهاية لأن عيونهم اعتادت النظر إلى الشكل الذي كان.
لكن هناك من ينظر بطريقة مختلفة لا ينظر إلى ما سقط، بل إلى ما ظهر بعد السقوط.يرى الفضاء بين الحجارة كما يرى الفلكي المسافة بين النجوم. فالنجوم وحدها لا تصنع السماء، بل المسافات التي تفصل بينها. لو التصقت ببعضها لانطفأ الضوء واختنق الكون.
وهكذا أيضاً الجدران.القوة التي تمنع كل فراغ تبدو صلابة في البداية، لكنها تتحول مع الوقت إلى نوع من السجن.كل فجوة بين حجرين ليست نقصاً في البناء، بل احتمال لم يكن مرئياً من قبل.
٣
حين كان الجدار قائماً، كانت الحجارة متراصة بإحكام شديد. كل حجر يضغط على الآخر كأنه يخشى أن يترك له مساحة.كان ذلك يبدو قوة.لكن القوة التي لا تترك مسافة تتحول ببطء إلى اختناق.الجدار الذي لا يسمح بدخول الضوء، لا يسمح أيضاً بخروج الظل.والبناء الذي لا يترك مكاناً للحياة يتحول تدريجياً إلى شيء يشبه القبر.كانت الأصوات محبوسة خلف التماسك.وكانت الأنفاس تضيق دون أن يعرف أحد السبب.حتى جاءت التشققات.والتشققات لا تكون دائماً علامة ضعف. أحياناً تكون أول محاولة تقوم بها الحياة كي تفتح لنفسها طريقاً.
٤
بعد الانهيار بدأت أشياء صغيرة تظهر بين الحجارة.أشياء لا يراها من اعتاد النظر إلى الجدران العالية.نبتة خضراء تشق طريقها من بين التراب.شعاع ضوء يجد منفذاً لم يكن موجوداً من قبل.صوت خافت يمر في المسافة الضيقة بين حجرين.هذه الأشياء تبدو بسيطة، لكنها تحمل سراً عميقاً.
الحياة لا تعود بصوت عالٍ.هي تعود دائماً بهدوء.ومن يلتفت إلى هذه العلامات الصغيرة يدرك أن ما سقط كان جداراً فقط، أما الأرض التي كانت تحته فما زالت قادرة على أن تمنح بداية أخرى.
٥
في تلك الأيام تعلمت درساً لم تقله الكتب.الخراب الذي نراه فوضى قد يكون في الحقيقة فرصة نادرة للفهم. حين يسقط البناء تظهر تفاصيل لم تكن مرئية. نقاط الضعف التي كانت مخفية، والزوايا التي كانت تتحمل أكثر مما ينبغي.في الفضاء بين الحجارة يتعلم الإنسان شيئاً مختلفاً عن كل ما تعلمه قبل ذلك.
يتعلم أن البناء الحقيقي لا يقوم فقط على وضع الحجارة فوق بعضها، بل على معرفة أين يجب أن تترك المسافة.المهندسون يقيسون الأحجام والأوزان، لكن القليل منهم يفكر في قيمة الفراغ.مع أن هذا الفراغ هو الذي يسمح للنور بالدخول، وللهواء أن يتحرك، وللحياة أن تبقى.أحياناً تكون المسافة بين حجرين أهم من الحجرين أنفسهما.
٦
الفضاء بين الحجارة ليس مجرد نتيجة للانهيار.إنه اختبار.بعض الناس يخافون من الفراغ، فيسرعون إلى ملئه بأي شيء. يعيدون بناء الجدار كما كان، بنفس القسوة، بنفس الضيق، بنفس الطريقة التي سقط بها أول مرة.وهؤلاء لا يبنون شيئاً جديداً.هم فقط يعيدون ترتيب الانهيار القادم.
لكن هناك من يتوقف قليلاً قبل أن يضع الحجر الأول. يتأمل المسافات التي خلقها السقوط، ويسأل نفسه إن كان من الحكمة أن تختفي كلها.
لأن بعض الفراغات يجب أن تبقى.
بعضها يصبح نافذة.
بعضها يتحول إلى باب.
وبعضها يترك الطريق مفتوحاً لما لم نتخيله بعد.
٧
الآن، وأنا أمشي بين الحجارة التي كانت يوماً جداراً، لم يعد المشهد يبدو لي خراباً كما بدا في البداية.
أراه بطريقة مختلفة.كل حجر على الأرض لم يعد مجرد بقايا، بل احتمال.وكل مسافة بين حجرين لم تعد نقصاً، بل بداية.ربما لهذا السبب لا تكون الحكمة دائماً في أن نحزن على ما انهار.فبعض الأشياء لا تسقط لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تعد تتسع لما تحمله الحياة في داخلها.
حينها يصبح الانهيار طريقة قاسية لفتح مساحة لم تكن ممكنة من قبل.وفي تلك المسافة الصغيرة بين حجرين، حيث يمر الضوء لأول مرة، تبدأ أحياناً حكاية بناء جديد.
يتبع ….